عودة إلى صفحة الأخبار>>>>>>>>>>>>
ترأس صاحبي السيادة المتروبوليت افرام (كيرياكوس) مطران طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الأرثوذكس، وسيادة المتروبوليت يوحنا (يازجي) مطران باريس وتوابعها للروم الأرثوذكس القدّاس الإلهي وذلك صباح يوم الأحد 20 شباط 2011 في كاتدرائيّة القدّيس جاورجيوس -الميناء،وقد ألقى المطران يوحنا عظة بليغة حول الإبن الشاطر والتهيئة للصوم المبارك (مرفقة بالأسفل).وقد شارك في الخدمة الليتورجية قدس الأرشمندريت أنطونيوس الصوري والأرشمندريت غربغوريوس خوري (باريس) والمتقدم في الكهنة غريغوريوس موسى والأبوين باسيليوس دبس وايليا بولس والشماس اسحق (جريج) وعدد كبير من المؤمنين.
عظة المتروبوليت يوحنا (يازجي ) في احد الإبن الشاطر
باسم الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد، آمين.
نحن، يا أحبّاء، على أبواب الصوم الكبير الذي نتهيأ فيه للدخول إلى يوم قيامة
الرَّبّ. وقد رتَّب آباؤنا القدِّيسون، قبل البدء بالصيام، وحدّدوا أربعة آحاد
تهيئة هي آحاد التريودي. كما تعرفون، الأحد الماضي كان أحد الفريسي والعشار، واليوم
هذا هو الأحد الثاني، أحد الإبن الشاطر أو الإبن الضال كما يسمِّيه المثل الإنجيلي
الذي سمعناه قبل قليل. رتَّب آباؤنا هذا الترتيب كي يؤكِّدوا على معاني أساسيَّة في
الصوم، لكي يذكرونا نحن المؤمنين على أنَّ هذه المسيرة التي سندخل إليها، وأقصد
الصوم، هي طريق جهاد.
في أحد الفريسي والعشار كان الحديث عن التواضع، عن الإتضاع، أنّ الصوم هو مسيرةُ
اتضاع، خضوعٍ يُخضع الإنسان فيها ذاتهُ لله طائعاً حتى الموت على مثال سيدِه، حتى
الموت، الموت على الصليب.
أمَّا اليوم، في الأحد الثاني، فالحديث هو عن التوبة. هذا الرجل كان عنده ولدان.
الإبن الأصغر، الذي أخذ حصته من الميراث، ترك بيت والده، غادر بيت أهلهِ، وهناك
بذّر كلّ أمواله وصار يشتهي، كما يقول المثل، أن يأكل الخرنوب الذي هو مأكل
الخنازير. هذا لكي يدلنا على أيَّة حالة وصل إليها، وعلى أيَّة تعاسة وصل إليها
بسبب من الخطيئة. لكن، بعد فترة، هذا الإنسان عاد إلى نفسهِ وقال: "كم هناك من أناس
يأكلون في بيت أبي ويفضل من الخبز عنهم، وأنا هنا أموت من الجوع. أقوم وأعود وأنطلق
إلى بيتِ أبي وأقول له أني خطئتُ أمام السماء وأمامك وأنا لست مستحقًّا أن تعاملني
كأحد أولادك بل عاملني كأجرائك أو كعبيدك." ويقول، أيضًا، "فقام وعاد إلى بيت
أبيه". المهمّ هنا، يقول لنا الرَّبّ يسوع في المثل، أنَّه لما رآه أبوه من بعيد
(كأن هذا الأب لم ييأس من مغادرة الإبن له)، كان جالساً ينتظر هذا الإبن لكي يعود،
ولما عاينهُ قام هو وذهب إليه وقبله واحتضنه، فقال الإبن لأبيه: "خطئتُ إلى السماء
وأمامك"، ولم يدعه الأب يُكمل "ولست مستحقًّا أن تعاملني كأحد أبنائك".
عندما قال له: "خطئت إلى السماء وأمامك"، كان الأب قد ضمَّهُ إلى صدره وقَبِلَه في
البيت وأعاده أبناً، وأقام احتفالاً كبيرًا له. عندما تذمّر أخوه الكبير، قال له
الأب: "أخوك كان ضالاً فوجد كان ميتاً فعاش".
نستطيع أن نتعلم، يا أحباء، من هذا المثل ما يلي.
أولاً: أريد اليوم أمام محبتكم أن ألفت النظر إلى الموقف الذي قام به الولد الأصغر
الذي تغرَّب عن بيت أبيه، وبعد أن تغرب عن بيت أبيه صار في التعاسة، صار في الشقاء،
مارس الخطيئة، صار في الفقر. المهمّ، يقول الكتاب: "فعاد إلى نفسه". هذه الجملة،
خاصة في أيامنا، يجب أن نتوقف عندها كثيراً. "فعاد إلى نفسه...". ويطرح الواحد
السؤال على نفسه، هل الواحد منا يعود إلى نفسه؟ هذا في إيامنا سؤال رئيسيّ، لأنّنا
نحن البشر، وخاصة في هذه الأيام وخاصةً بعد هذا التطور العلمي الكبير الهائل
والتكنولوجيا والإنترنت والكمبيوتر وما إلى هنالك...، صار الإنسان يعرف كل شيء ويرى
كل شيء. قدما الإنسان وطئتا القمر. يصير حدث ما، هنا وهناك، مباشرة يُنقل، يتابعه
الإنسان في أي مكان وجد. الإنسان يُراقب كلّ شيء ويُلاحظ كل شيء ويُتابع كل شيء،
ولكن قد يكون أقرب شيء إليه، أقصد هنا نفسه، من الممكن أنه لم يتابعها.
دعوني يا أحباء أعطي هذا المثل لإيضاح مشكلتنا في هذه الأيام. مثلاً، إنسان عندهُ
ردارات، وهذه الردارات موجّهة إلى السماء، إلى الجوّ حتى تلتقط أية حركة تصير في
الجوّ من طائرات، الخ. لكن، هذا الردار الموجَّه إل السماء لا يلتقط أية حركة تصير
على الأرض. نحن مدعويين، اليوم، أن نتذكر أن نوجّه رداراتنا الداخلية إلى نفسنا،
وأن لا تكون موجّهة إلى الخارج. نحن نعرف كل شيء يحدث في الخارج، إذا رأينا اثنين
يتكلمان نُلاحظهم، نراقبهم ونظن أنهم يتكلمون علينا ألخ. على الإنسان أن يوجّه
رداراته الداخلية إلى الداخل حتى يعرف نفسه. معرفة الذات شيء مهمّ كثيراً (أحياناً
كثيرة الواحد بعلاقته مع الآخر يشعر أنّ الآخر مستاء منه لا يسلم عليه بشكلٍ
جيّد...) هل الواحد منا يراقب تصرفاته، أقواله، لسانه، عينيه، ما تقوم به يديه، إلى
أين تذهب به رجلاه؟ هل الواحد منا يُتابع كل أحاسيسه ومشاعره؟، وهل يُدرك تمام
الإدراك كيف تتفاعل في داخله هذه الأحاسيس والمشاعر؟ القديس اسحق السرياني يقول:
"إن من يعرف نفسهُ أعظم ممن يُقيم الموتى". مرضنا في هذه الأيام أن الواحد منا لا
يعرف نفسه، يعرف كل شيء إلا ذاته.
دعونا، إذًا، في هذا الأحد، أحد ابن الشاطر، في بدء التريودي ونحن على عتبات الصيام
الأربعيني المبارك، أن يكون هذا الصوم مسيرة للتوبة، ومسيرة التوبة هي، أوّلاً، أن
يعود الإنسان إلى ذاته وأن يُراقب ذاتهُ وأن يعرف ذاته، وحينذاك سوف يعرف حقيقة
واحدة: عظمة الله، محبة الله، ويصرخ تلك الصرخة ويقول: "يا رب ارحمني أنا الخاطئ"،
ويقولها ويعود ويقول، كما قال هذا الإبن الشاطر، "أقوم وأعود إلى بيت أبي".
نعم، كل واحد منا مطلوب منه أن يقوم في ذاته، أن يقوم من قبر أهوائه وضعفاته، أن
يقوم من قبر خطاياه. إذا أردنا أن نعدِّد هذه الأمور في الإنسان نرى الكبرياء،
الغضب، الشهوة، الحسد، الكسل، حب الذات، الإستهتار، الغيرة...
إذا عاد الإنسان إلى نفسه، كل هذه الأمور لا يعود يلتمس منها شيئًا، ويقول في داخله
عليّ أن أقوم وأن أجعل من نفسي مسكناً للسيد وليس للفساد وللخطيئة، وإنما للسيدِ
الناهض من بين الأموات.
هذه هي التوبة، إنّها مسيرة. إنّها كما يقول الرسول بولس: "أنسى ما وراء وأمتد بكل
نفسي إلى ما هو أمام"، إلى السيد. سيروا ما دام لكم النور، وهو النور، ونحن أعيننا
شاخصة إلى هذا النور. أعيننا شاخصة إلى السيد ولا إلى أي شيء آخر. لذلك، مسيرة
حياتنا هي هذه المسيرة، مسيرة التوبة، مسيرة القيام الدائم، المتواصل. أن يقوم
الإنسان دوماً في داخله، أن يقوم أي أن يجعل من قلبهِ كرسياً، عرشاً لسيد الأسياد
ولرب الأرباب المسيح يسوع الذي أحبنا، الذي افتدانا بدمهِ الكريم.
حددت الكنيسة أحد الفريسي والعشار قبل البدء بالصيام، أحد الإبن الشاطر اليوم، ثمَّ
أحد مرفع اللحم، فأحد مرفع الجبن كي تؤكِّد لنا على هذه الحقائق. واليوم، تؤكد لنا
الكنيسة هذه الحقيقة حول وجه من وجوه الصوم، أنَّ الصوم هو مسيرة توبة، مسيرة عشق
لله، كأنَّ الواحد يقول: أنا اعشق الله، أنا ذاهبٌ إلى الله وأنا أسير نحو السيد
الذي أحبني والذي افتداني، وأقول هو الرَّبّ إلهي وليس لي من إله آخر في حياتي. هذه
هي مسيرة التوبة لأنني أنا أسير هذه المسيرة. سوف نواجه صعوبات، أفكار، سقطات،
تجارب ضيقات. العالم يشدّنا حتى لا نسير هذه المسيرة ونحن نسعى بكل صدق أن نسير هذه
المسيرة التي هي مسيرة العودة من غربتنا إلى بيتنا الأبوي. وبيتنا الأبوي هو حضن
السيد، وليس هناك أفضل من هذا الحضن. والإنسان كلما خطئ، كلما فكرا فكراً سيئاً،
فهو يترك، دائماً، البيت الأبوي ويتغرَّب. التوبة هي أن نعود إلى بيتِ إبينا
الحقيقي الذي يراد به دوماً الله، ونقول له: "أبانا الذي في السماوات...".
ليعطنا الرَّبّ الإله أن نسير هذه المسيرة، مسيرة التوبة، أن تُنخس قلبنا بمحبة
الرَّبّ فنتلّمس نعمته وعطيته في حياتنا، وهي أغلى شيء لنا، فنترك كل ما لا يليق
بإنجيل المسيح يسوع ونسعى أن نلتصق بكلِّ ما يليق بكلمة الرَّبّ، فتكون مسيرتنا هي
مسيرة توبة صادقة كأبناء لله، للنور، كما يقول الرسول، تكون سيرتنا هي سيرة الحكماء
العقلاء وليس سيرة الجهلاء.
ليقونا الرَّبّ أجمعين، ليكون صيامنا صيامًا مباركًا ولنسعى نحو السيد القائم بين
الأموات، آمين.
عودة إلى صفحة الأخبار>>>>>>>>>>>>